محمد جمال الدين القاسمي

509

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أتت اليهود إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فسألوه عن الروح . فلم يجبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بشيء . فأنزل الله عز وجل الآية . فهذا يدل على ضعف حديث السدّي ، وأن السؤال كان بمكة ، فإن هذا الحديث وحديث ابن مسعود صريح أن السؤال كان بالمدينة مباشرة من اليهود . ولو كان قد تقدم السؤال والجواب بمكة ، لم يسكت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولبادر إلى جوابهم بما تقدم من إعلام الله له ، وما أنزل الله عليه . وقد اضطربت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظم اضطراب . فإما أن تكون من قبل الرواة ، أو تكون أقواله قد اضطربت فيها . ثم ساق ابن القيم الروايات عنه مسندة ، ثم قال : والروح في القرآن على عدة أوجه : أحدها : الوحي ، كقوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] ، وقوله : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر : 15 ] ، وسمى الوحي روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح . الثاني : القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من شاء من عباده المؤمنين ، كما قال : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ المجادلة : 22 ] . الثالث : جبريل كقوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 - 194 ] ، وقال تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 97 ] ، وهو روح القدس ، قال تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [ النحل : 102 ] . الرابع : الروح التي سأل عنها اليهود فأجيبوا بأنها من أمر اللّه . وقد قيل إنها الروح المذكورة في قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ [ النبأ : 38 ] ، وإنها الروح المذكورة في قوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [ القدر : 4 ] . الخامس : المسيح عيسى ابن مريم . قال تعالى : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ النساء : 171 ] ، أما أرواح بني آدم فلم تقع تسميتها بالقرآن إلا بالنفس ، قال تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الفجر : 27 ] ، وقال : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [ القيامة : 2 ] ، وقال : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ، وقال : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [ الأنعام : 93 ] ، وقال : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 7 - 8 ] ، وقال : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ * [ آل عمران : 185 ] .